محمد بن جرير الطبري

181

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

الذين يتكبرون عن الخضوع لأَمر الله والانقياد لطاعته فيما أمرهم به وفيما نهاهم عنه ، والتسليم له فيما أوجب لبعضهم على بعض من الحق . وكان ممن تكبر عن الخضوع لأَمر الله والتذلل لطاعته والتسليم لقضائه فيما ألزمهم من حقوق غيرهم اليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأحبارهم الذين كانوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وصفته عارفين وبأنه لله رسول عالمين ، ثم استكبروا مع علمهم بذلك عن الإِقرار بنبوته والإِذعان لطاعته ، بغيا منهم له وحسدا ، فقرعهم الله بخبره عن إبليس الذي فعل في استكباره عن السجود لآدم حسدا له وبغيا نظير فعلهم في التكبر عن الإِذعان لمحمد نبي الله صلى الله عليه وسلم ونبوته ، إذ جاءهم بالحق من عند ربهم حسدا وبغيا . ثم وصف إبليس بمثل الذي وصف به الذين ضربه لهم مثلا في الاستكبار والحسد والاستنكاف عن الخضوع لمن أمره الله بالخضوع له ، فقال جل ثناؤه : وَكانَ يعني إبليس مِنَ الْكافِرِينَ من الجاحدين نعم الله عليه وأياديه عنده بخلافه عليه فيما أمره به من السجود لآدم ، كما كفرت اليهود نعم ربها التي آتاها وآباءها قبل : من إطعام الله أسلافهم المن والسلوى ، وإظلال الغمام عليهم وما لا يحصى من نعمه التي كانت لهم ، خصوصا ما خص الذين أدركوا محمدا صلى الله عليه وسلم بإدراكهم إياه ومشاهدتهم حجة الله عليهم ؛ فجحدت نبوته بعد علمهم به ، ومعرفتهم بنبوته حسدا وبغيا . فنسبه الله جل ثناؤه إلى الكافرين ، فجعله من عدادهم في الدين والملة ، وإن خالفهم في الجنس والنسبة ، كما جعل أهل النفاق بعضهم من بعض لاجتماعهم على النفاق ، وإن اختلفت أنسابهم وأجناسهم ، فقال : الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يعني بذلك أن بعضهم من بعض في النفاق والضلال ، فكذلك قوله في إبليس : كانَ مِنَ الْكافِرِينَ كان منهم في الكفر بالله ومخالفته أمره وإن كان مخالفا جنسه أجناسهم ونسبه نسبهم . ومعنى قوله : وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ أنه كان حين أبى عن السجود من الكافرين حينئذ . وقد روي عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية أنه كان يقول في تأويل قوله : وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ في هذا الموضع وكان من العاصين . حدثني المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا آدم العسقلاني ، قال : حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية في قوله : وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ يعني العاصين . وحدثت عن عمار بن الحسن ، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه أبي جعفر ، عن الربيع بمثله . وذلك وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ يعني العاصين شبيه بمعنى قولنا فيه . وكان سجود الملائكة لآدم تكرمة لآدم وطاعة لله ، لا عبادة لآدم . كما : حدثنا به بشر بن معاذ ، قال : حدثنا يزيد بن زريع ، قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فكانت الطاعة لله ، والسجدة لآدم ، أكرم الله آدم أن أسجد له ملائكته . القول في تأويل قوله تعالى : وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ قال أبو جعفر : وفي هذه الآية دلالة واضحة على صحة قول من قال : إن إبليس أخرج من الجنة بعد الاستكبار عن السجود لآدم ، وأسكنها آدم قبل أن يهبط إبليس إلى الأَرض ؛ ألا تسمعون الله جل ثناؤه يقول : وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ فقد